ابن أبي الحديد

86

شرح نهج البلاغة

الشرح : أمره في هذا الفصل بإنفاق المال والصدقة والمعروف ، فقال : إن بين يديك طريقا بعيد المسافة ، شديد المشقة ، ومن سلك طريقا فلا غنى له عن أن يرتاد لنفسه ، ويتزود من الزاد قدر ما يبلغه الغاية ، وأن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك ، فإياك أن تحمل من المال ما يثقلك ، ويكون وبالا عليك ، وإذا وجدت من الفقراء والمساكين من يحمل ذلك الثقل عنك فيوافيك به غدا وقت الحاجة فحمله إياه ، فلعلك تطلب مالك فلا تجده . جاء في الحديث المرفوع : " خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أوجب له الجنة : من سقى هامة صادية ، أو أطعم كبدا هافية ، أو كسا جلدة عارية ، أو حمل قدما حافية ، أو أعتق رقبة عانية " . قيل لحاتم الأصم : لو قرأت لنا شيئا من القرآن ! قال : نعم ، فاندفع فقرأ : ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) يكنزون ( 1 ) ، فقالوا : أيها الشيخ ما هكذا أنزل ! قال : صدقتم ، ولكن هكذا أنتم ! الأصل : واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء ، وتكفل لك بالإجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينه وبينك من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه

--> ( 1 ) سورة البقرة 1 - 3 ، والقراءة : " ومما رزقناهم ينفقون " .